الابتكار

ما هو الابتكار في الأعمال، ولماذا يُعدّ مهمًا؟

مقتبس من موقع جامعة هارفارد
الكاتب: مايكل بويلز
يعتمد المشهد التنافسي اليوم بدرجة كبيرة على الابتكار. ويتعين على قادة الأعمال البحث باستمرار عن طرق جديدة للابتكار، إذ لا يمكن حل العديد من المشكلات باستخدام الحلول القديمة.
يُعد الابتكار عنصرًا أساسيًا في جميع القطاعات، ومع ذلك، من المهم تجنّب استخدامه كمجرد مصطلح رائج يتكرر دون فهم حقيقي لمعناه، بل ينبغي تخصيص الوقت الكافي لفهم عملية الابتكار بشكل شامل ودقيق.
فيما يلي نظرة عامة على مفهوم الابتكار في مجال الأعمال، وأهميته، وكيفية تشجيعه في بيئة العمل.

ما هو الابتکار؟

غالبًا ما يُستخدم مصطلحا الابتكار والإبداع بالتبادل، وكأنهما يحملان المعنى نفسه. وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه بينهما، فإنهما ليسا متماثلين. يُعد استخدام الإبداع في الأعمال أمرًا مهمًا، لأنه يسهم في توليد أفكار فريدة ومتميزة. ويُشكّل هذا الطابع الجديد أحد العناصر الأساسية للابتكار.
ولكي تُعدّ الفكرة ابتكارية، يجب أن تكون مفيدة أيضًا. فالأفكار الإبداعية لا تؤدي دائمًا إلى ابتكارات، لأنها لا تقدّم بالضرورة حلولًا عملية وقابلة للتطبيق للمشكلات القائمة.
ببساطة، الابتكار هو منتج أو خدمة أو نموذج عمل أو استراتيجية تجمع بين عنصرَي الجِدّة والفائدة. ولا يشترط أن تتمثل الابتكارات في اختراقات تكنولوجية كبرى أو نماذج أعمال جديدة بالكامل، فقد تكون بسيطة مثل تطوير خدمات الشركة المقدمة للعملاء أو إضافة ميزات جديدة إلى منتج موجود بالفعل.

أنواع الابتكار

يمكن تصنيف الابتكار في مجال الأعمال إلى نوعين رئيسيين: الابتكار المستدام والابتكار الإحلالي (المُزعزع).

١. الابتكار المستدام (Sustaining Innovation)

يسهم الابتكار المستدام في تطوير عمليات المؤسسة وتقنياتها بهدف تحسين منتجاتها وتلبية احتياجات قاعدة عملائها الحالية بصورة أفضل. وعادةً ما تتبنى هذا النوع من الابتكار الشركات الراسخة في السوق، التي تسعى إلى الحفاظ على مكانتها الرائدة وتعزيز قدرتها التنافسية.

٢. الابتكار الإحلالي (Disruptive Innovation)

يحدث الابتكار الإحلالي عندما تتحدى الشركات الصغيرة الشركات الكبرى. ويمكن تصنيف هذا النوع من الابتكار إلى فئات مختلفة وفقًا للأسواق التي تتنافس فيها هذه الشركات.
الإحلال في الشريحة الدنيا من السوق (Low-end Disruption): يشير إلى دخول الشركات إلى الشريحة الأدنى من سوق قائم، واستهدافها من خلال تقديم منتجات أو خدمات تلبي احتياجات هذه الفئة من العملاء، مما يتيح لها اكتساب حصة في السوق.
الإحلال من خلال سوق جديد (New-market Disruption): يحدث عندما تنشئ الشركات شريحة جديدة في السوق لخدمة فئة من العملاء الذين لا يستطيع السوق الحالي الوصول إليهم أو تلبية احتياجاتهم.
تدمج الشركات الأكثر نجاحًا كلا النوعين من الابتكار ضمن استراتيجياتها التجارية. فعلى الرغم من أهمية الحفاظ على المكانة الحالية في السوق، فإن السعي إلى النمو يُعد ضروريًا لضمان القدرة على المنافسة. كما يساعد هذا النهج الشركات على حماية مكانتها في السوق ومواجهة تأثير الشركات المنافسة والتحديات التي قد تفرضها.

أهمية الابتكار

تُعدّ التحديات غير المتوقعة أمرًا لا مفرّ منه في عالم الأعمال. ويمكن للابتكار أن يساعد الشركات على التقدم على منافسيها وتحقيق النمو في الوقت نفسه. فيما يلي ثلاثة أسباب رئيسية توضّح أهمية الابتكار في الأعمال:

١. يتيح الابتكار التكيّف مع التغيّرات.

لقد تسببت جائحة كوفيد-١٩ الأخيرة في اضطرابات واسعة النطاق في عالم الأعمال. وخلال بضعة أشهر، أصبحت العديد من أساليب العمل التقليدية غير ملائمة للظروف الجديدة. ولا تزال بعض الشركات تعاني من الآثار السلبية لهذا التحوّل العالمي بسبب تمسّكها بالأساليب المعتادة ورفضها التغيير. وغالبًا ما يكون الابتكار ضروريًا لمساعدة الشركات على التكيّف مع المتغيّرات والتغلّب على التحديات التي تفرضها.

٢. يعزّز الابتكار النمو.

قد يؤدي الركود وعدم التطور إلى أضرار كبيرة بالأعمال. ويُعدّ تحقيق النمو المؤسسي والاقتصادي من خلال الابتكار عاملًا أساسيًا لاستمرار الشركات ونجاحها في بيئة الأعمال شديدة التنافسية اليوم.

٣. يميّز الابتكار الشركات عن منافسيها.

تضمّ معظم القطاعات العديد من الشركات التي تقدم منتجات أو خدمات متشابهة. ويساعد الابتكار الشركات على إبراز نقاط تميّزها وتقديم قيمة مختلفة للعملاء، مما يمكّنها من بناء مكانة خاصة لها في السوق.

الابتكار والتفكير التصميمي

توجد أدوات متعددة تساعد على تعزيز الابتكار في بيئة العمل. فعلى سبيل المثال، عندما يكون من الصعب تحديد السبب الرئيسي لمشكلة ما، يمكن الاستعانة بأساليب مثل حل المشكلات بطريقة إبداعية. ويُعدّ تبنّي منهجية التفكير التصميمي أحد أفضل الأساليب لتعزيز الابتكار.
التفكير التصميمي هو نهج يركّز على الإنسان ويهدف إلى إيجاد الحلول. ويُعدّ أسلوبًا عمليًا للتخطيط الاستراتيجي والتصميم، يعتمد على الرؤى المستخلصة من الملاحظة والبحث.

المراحل الأربع للابتكار (Four Phases of Innovation)

نظرًا إلى أن الابتكار يتطلب الجمع بين الجِدّة والفائدة العملية، فمن الضروري تحقيق التوازن بين التفكير الملموس والتفكير المجرّد. ويمكن أن يساعد وضع إطار منظّم للابتكار على توجيه هذه العملية وتحسينها.
في الدورة التدريبية عبر الإنترنت «التفكير التصميمي والابتكار» (Design Thinking and Innovation)، يشرح سريكانت داتار، عميد كلية هارفارد للأعمال، مبادئ التفكير التصميمي من خلال إطار عمل يتألف من أربع مراحل للابتكار، وهي: التوضيح، وتوليد الأفكار، والتطوير، والتنفيذ.
1. التوضيح (Clarify)
تتمثل المرحلة الأولى من هذه العملية في توضيح المشكلة وتحديدها بدقة. وتشمل هذه المرحلة إجراء البحوث لفهم الجمهور المستهدف والتعاطف معه والتعرّف على احتياجاته وتجاربه. والهدف هو تحديد أبرز المشكلات والتحديات التي يواجهها الجمهور، وصياغة المشكلة بطريقة تساعد على إيجاد حل مناسب لها.
2. توليد الأفكار (Ideate)
تتضمن مرحلة توليد الأفكار ابتكار مجموعة من الأفكار والحلول لمعالجة المشكلة التي تم تحديدها خلال مرحلة البحث. وفي هذه المرحلة، تُختبر الافتراضات السائدة وتُتحدى، مع العمل على تجاوز التحيزات الذهنية للوصول إلى أفكار مبتكرة وإبداعية.
3. التطوير (Develop)
تركّز مرحلة التطوير على استكشاف الحلول التي تم التوصل إليها خلال مرحلة توليد الأفكار ودراستها. وتعتمد هذه المرحلة على إعداد نماذج أولية بسرعة للإجابة عن التساؤلات المتعلقة بمدى قابلية الحل للتطبيق وفعاليته العملية.
4. التنفيذ (Implement)
تُعدّ مرحلة التنفيذ المرحلة الأخيرة من هذه العملية. وتتضمن عرض الفكرة التي تم تطويرها على أصحاب المصلحة والتواصل معهم بشأنها، بهدف تشجيعهم على قبولها وتبنّيها وتطبيقها عمليًا.

التصميم المتمحور حول الإنسان

يتطلب الابتكار مراعاة احتياجات المستخدمين. ويساعد التفكير التصميمي على تعزيز التعاطف مع المستخدمين من خلال تبنّي نهج التصميم المتمحور حول الإنسان، الذي يركّز على معالجة المشكلات والتحديات الواضحة التي يواجهها المستخدمون، إلى جانب تلبية احتياجاتهم الكامنة التي يتم اكتشافها خلال مرحلة توضيح المشكلة في عملية الابتكار.
الخصائص الثلاث للتصميم المتمحور حول الإنسان

١. الرغبة والقبول (Desirability)

لكي يحقق المنتج أو الخدمة النجاح، يجب أن يرغب الناس في استخدامه أو الاستفادة منه. فالابتكارات الناجحة تجذب المستهلكين وتلبّي احتياجاتهم وتوقعاتهم.

٢. إمكانية التنفيذ (Feasibility)

لا يمكن للأفكار المبتكرة أن تتحول إلى واقع دون توافر الموارد اللازمة لتنفيذها. لذلك، يجب تقييم مدى إمكانية تطبيق هذه الأفكار في ضوء القيود التقنية أو الاقتصادية أو التنظيمية.

٣. الجدوى والاستدامة (Viability)

حتى إذا كان التصميم مرغوبًا وقابلًا للتنفيذ، فلا بد أن يكون مستدامًا أيضًا. ولكي يكون التصميم مجديًا على المدى الطويل، يجب أن تكون هناك قدرة على إنتاج المنتج أو تقديم الخدمة بصورة مستمرة خلال فترات زمنية ممتدة.
عند العمل على حل المشكلات، من المهم مراعاة هذه الخصائص الثلاث، إذ تُعدّ كل واحدة منها عنصرًا أساسيًا لتحقيق ابتكار ناجح.

العالم التشغيلي والعالم الابتكاري

يُعدّ الإبداع وتوليد الأفكار من العناصر الأساسية للابتكار، إلا أن هناك مواقف قد يصعب فيها تنفيذ فكرة معينة أو لا يكون تطبيقها ممكنًا. وتمثّل هذه الحالات تعارضًا بين العالم الابتكاري والعالم التشغيلي.

العالم التشغيلي (The Operational World)

يعكس العالم التشغيلي العمليات والإجراءات اليومية التي تعتمد عليها المؤسسة في أداء أعمالها. وفي هذا السياق، تُعطى الأولوية لمؤشرات الأداء والنتائج، بينما لا يحظى الإبداع بالقدر الكافي من التشجيع اللازم لتحقيق الابتكار. كما أن الأنشطة التي قد تعطل سير العمل المعتاد، مثل المخاطرة وتجربة أساليب غير مألوفة، غالبًا ما لا تلقى التشجيع.

العالم الابتكاري (The Innovative World)

يشجّع العالم الابتكاري الإبداع والتجربة واستكشاف الأفكار الجديدة. ويتيح هذا الجانب من الأعمال مساحة مفتوحة لدراسة الأفكار وتطويرها دون التقيد بحلول محددة مسبقًا، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى إهمال الجوانب العملية والتشغيلية.
يُعدّ كلا العالمين ضروريًا لتحقيق الابتكار، إذ يجب أن يستند الإبداع إلى الواقع وإمكانات التطبيق الفعلي. لذلك، ينبغي السعي إلى تحقيق التوازن بينهما من أجل ابتكار حلول تتمحور حول الإنسان وتلبّي احتياجاته. ويساعد التفكير التصميمي على تحقيق هذا التوازن من خلال توجيه عملية التفكير بين الجوانب الملموسة والمجرّدة.